السرخسي
279
أصول السرخسي
فيه ، ولا يتحقق ذلك إلا مع تقرر سبب الوجوب في حقه . والدليل عليه بقاء حجة الاسلام فرضا له بعد الجنون ، وبقاء ما أدى من الصلاة في حالة الإفاقة فرضا في حقه ، فبهذا التحقيق يتبين أن سبب الوجوب متحقق مع الجنون ، والخطاب بالأداء ساقط عنه لعجزه عن فهم الخطاب ، وذلك لا ينفي صحة الأداء فرضا ، بمنزلة من لم يبلغه الخطاب ، فإنه تتأدى منه العبادة بصفة الفرضية كمن أسلم في دار الحرب ولم تبلغه فرضية الخطاب لا يكون مخاطبا بها ومع ذلك إذا أداها كانت فرضا له . وكذلك النائم والمغمى عليه ، فإن الخطاب بالأداء ساقط عنهما قبل الانتباه والإفاقة ثم كان السبب متقررا في حقهما ، فكان التعليل بسقوط فعل الأداء عنه لعجزه عن فهم الخطاب على نفي سبب الوجوب في حقه أصلا ، فيكون فاسدا وضعا مخالفا للنص والاجماع ، ولان الخطاب بالأداء يشترط لثبوت التمكن من الائتمار وذلك لا يكون بدون العقل والتمييز ، فسقوطه لانعدام شرطه لا يجوز أن يكون دليلا على نفي تقرر السبب ، وثبوت الوجوب الذي هو حكم السبب على وجه لا صنع للعبد فيه بل هو أمر شرعي يختص بمحل صالح له وهو الذمة ، فإذا ثبت تقرر السبب ثبت صحة الأداء ، ووجوب القضاء عند عدم الأداء بشرط أن لا يلحقه الحرج في القضاء ، فإن الحرج عذر مسقط بالنص ، قال تعالى : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * وقال تعالى : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * فعند تطاول الجنون حقيقة أو حكما بتكرار الفوائت من الصلوات وباستيعاب الجنون الشهر كله أسقطنا القضاء لدفع الحرج وهو عذر مسقط . ومعنى الحرج فيه أنه تتضاعف عليه العبادة المشروعة في وقتها ، ولا يشتبه معنى الحرج في الأداء عند تضاعف الواجب ، ولهذا أسقطنا بعذر الحيض قضاء الصلوات لأنها تبتلى بالحيض في كل شهر عادة ، والصلاة يلزمها في اليوم والليلة خمس مرات ، فلو أوجبنا القضاء تضاعف الواجب في زمان الطهر ، ولا يسقط بالحيض قضاء الصوم ، لان فرضية